الشيخ محمد هادي معرفة
135
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
3 - عذوبة ألفاظه وسلاسة عباراته قد أجمل الكلام في ذلك الجرجانيّ والسكاكيّ وغيرهما من أعلام البيان من المتقدّمين ، ( وتقدّم بعض كلامهم ) . وأكمله النُقّاد من المتأخّرين المعاصرين ، قالوا : لو تدبّرت ألفاظ القرآن في نظمها لرأيت حركاتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف أنفسها ، ولن تجدها إلّا مؤتلفة مع أصوات الحروف ، مساوقة لها في النظم الموسيقي . حتى أنّ الحركة ربما كانت ثقيلة فلا تعذب ولاتساغ في نفسها ، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنا عجيبا ، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقا في اللسان واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقي ، حتى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء وأرقّه ، وكانت متمكنّة في موضعها ، وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفّة والروعة . من ذلك لفظة « النُذُر » جمع نذير ، فإنّ الضمّة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معا ، فضلًا عن جَسأة هذا الحرف ونبوّه فياللسان ، وخاصّة إذا جاءت فاصلة للكلام . ولكنّه جاء في القرآن على العكس وانتفى من طبيعته في قوله تعالى : « وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ » « 1 » فتأمّل هذا التركيب ، وأنعم ثمّ أنعم على تأمّله ، وتذوّق مواقع
--> ( 1 ) - القمر 36 : 54 .